نظرة خاطفة حول العلمانية… (3)

332 مشاهدةآخر تحديث : الإثنين 2 مارس 2015 - 1:35 صباحًا
نظرة خاطفة حول العلمانية… (3)

• علاقة العلمانيّة بالليبراليّة يعدّ الفكر اللّيبراليّ إحدى الدعائم التي ترتكز عليها العلمانيّة. واللبراليّة عبارة عن مذهب، أو حركة للتخلّص من قيود المؤسسة الحكوميّة والدينيّة, وعلى حدّ تعبيرهم: إنّها تهدف لتحرير الإنسان من القيود السلطويّة الأربعة: (السياسيّة، والدينيّة، والاقتصاديّة، والثقافيّة)، وتتحرّك وفق أخلاق وقيم المجتمع الذي يتبنّاها, وهي تختلف حسب ظروف كلّ مجتمع، فهي تطلق نداء “الحريّة”. فتمثل “الحريّة” نواة الليبراليّة, فالمحرّمات الشرعيّة الإسلاميّة تعتبرها الليبراليّةُ قيودًا ضدّ الحريّة يجب التخلّص منها, فلكلّ شخص حريّة الأفعال والأقوال ما لم يتعرّض للأشخاص الآخرين، أو يجبرهم على أفعال معيّنة؛ فالليبراليّ يرى أنّه يحقّ له الزِّنا – مثلاً – في حال أنّ الطرف الآخر راضٍ, وكما يحقّ له أنْ يتعبّد بالطريقة التي يريد طالما أنّها لا تسبّب أذى للآخرين، ولا يرى أنّ هناك أحدًا يملك الحقّ بمقاضاته، أو محاسبته على ذلك إذا لم يكن فيما فعله أيّ تجاوز على الحقوق الشخصيّة، أو الدستور الموافق عليه عن طريق الأغلبيّة، ولا يكون الاعتراف بالمؤسسات الاجتماعية على أساس انطباقها مع أصول الدين وفروعه, وإنّما المعيار عند الليبراليّ هو سعادة وراحة أفراد المجتمع الماديّة الدنيويّة, وليس عنده شيء اسمه المستقبل الأخرويّ. والمذهب الليبرالي يعدّ من المذاهب المؤثرة في الفكر العلمانيّ.

• القوميّة يرى دعاة القوميّة أنّ الوحدة لا بدّ أنْ تتحقّق على أساس الوطن، ويسمونها (الوحدة الوطنيّة), ومن الشعارات الأساسية للقوميّة (الوفاء للوطن)، و(الولاء للوطن). وترى القوميّة أنّ توحيد الناس على أساس (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، و(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ) يعدّ عقبة تحول دون حصول الوحدة الوطنيّة وتماسكها, لأنّ المعتقدات الدينيّة تجعل الأقليّات الدينيّة – مثل اليهود، والمسيحيّين الموجودين في البلد الإسلاميّ – تشعر أنّها غريبة, ولذلك فالأساس الصحيح عندهم هو الشعور الجغرافيّ، أو اللّغويّ (أي الوحدة الوطنيّة، أو القوميّة العربيّة)، وليس (الوحدة الإسلاميّة). وعلى هذا يعدّ الواجب القوميّ، والوطنيّ هو الواجب الرئيس, أمّا الواجب الدينيّ، فهو واجب فرعيّ، ويتحدّد بحدود الحياة الخاصة. فينبغي على كلّ واحد أنْ يحبّ وطنه، ويكون وفيًّا له، ويضحِّي في سبيله بكلّ شيء حتى بالدّين!! فالإنسان في المذهب القوميّ يعيش من أجل وطنه، ويقاتل من أجله، ويضحِّي بروحه في سبيل الوطن بحيث تكون القوميّة، والوطنيةّ هي التي تتدخّل في المواقف الفرديّة والاجتماعية, وليس الارتباط بالدّين والعقيدة. ويعتقد الإنسان القوميّ أنّ وطنه، وشعبه لديهما امتيازًا عل سائر الأمم, ولذلك تراه كثير التمجيد بالوطن، والشعب، ويكتب له القصائد والأناشيد, لأنّه يعتقد بضرورة أنْ يُبدي كلّ فرد أعظم ما لديه من الحبّ نحو وطنه ومسقط رأسه, وأنْ يكون “الوطن” بؤرة الحبّ، والوفاء، والولاء, ويرفع حبّ الوطن إلى مرتبة الواجب الدينيّ المقدس, ويرفض فكرة الولاء للدّين، أو للمرجعيّة الدينيّة. وهكذا عملت القوميّة نحو إثارة المشاعر نحو الوطن وتحيّة العلم, والنشيد الوطنيّ, والعيد الوطنيّ, وتكريم الأبطال الوطنيين، والتأكيد على قدسيّة اللّغة, والإيمان برسالة الأمّة. وعندما اتسع نفوذ الثورة الفرنسيّة انتشرت فكرة القوميّة أسرع بكثير من انتشار فكرة التحرريّة والديمقراطيّة, وحينما أمسك نابليون بمقاليد الحكم في فرنسا عمل على نشر القوميّة في الغرب, واستغل فكرة القوميّة من أجل شنّ الحروب على الآخرين، وتوسيع نفوذه, وارتكب شتى أعمال القتل والعدوان, وأثار المشاعر القوميّة في سائر الأمم, واشتدت حدّة المشاعر القوميّة وتسارعت وتيرتها في ألمانيا وإيطاليا أيضًا, وأصبحت القوميّة منذ ذلك الحين مبررة للعدوان، وممهّدة لإراقة الدّماء، والصراع بين القوى، واستعمار البلدان. وكل ذلك يكشف عن الشعارات الخادعة للقوميّة والليبراليّة الغربيّة, وأنّها لم تكن سوى قناع لأسر الشعوب المستضعفة، ونهب ثرواتها، وخيراتها.

• تلاقي القوميّة مع العلمانيّة من الشعارات التي ترفعها القوميّة (الدين لله، والوطن للجميع)، والمراد بهذا الشعار أنّ الدّين أمر عباديّ متعلّق بالفرد نفسه, بينما الوطن يرتبط بالحياة الاجتماعيّة, وهذه الفكرة تعكس الفكر العلمانيّ بوضوح, لأنّ العلمانيّة بدورها تعتبر الدّين أمرًا فرديًّا خاصًّا, وممارسة تقتصر على الحياة الشخصيّة والأسريّة, ولا ينبغي أنْ يتدخّل في حياة الناس السياسيّة، والاجتماعيّة. فالعلمانيّة إفراز من إفرازات القوميّة, فالإيمان بقيام الوحدة الوطنيّة على أساس “الوطن” يستلزم انفصال الدّين عن الحكومة، وكلّ ما لديه صلة بها في حين لا يوجد أيّ تعارض بين التديّن وحبّ الوطن, فإذا كانوا يدعون إلى وحدة الأمّة، فإنّ الدّين هو أساس الوحدة, وهو الذي يحفظ الأقليّات الدينيّة في نفسها، ومالها. فالقوميّة تزعم أنّ الدّين يشكّل عقبة في طريق الوحدة الوطنيّة, ولذلك تتخذ من الرقعة الجغرافيّة، واللّغة أساسًا للانطلاق نحو الوحدة, وتعتبر الواجب القوميّ والوطنيّ واجبًا أساسيًّا, بينما الواجب الدينيّ تعتبره واجبًا ثانويًّا، ولا يخرج عن إطار الحياة الخاصة للفرد, بل يمكن التضحية حتى بالدّين من أجل الوطن! وأخيرًا نقول: إنّ “القوميّة” هي إحدى الأساليب التي استخدمها الاستعمار؛ لتمزيق “الوحدة الإسلاميّة”، والقضاء على حيويّة الأمّة الإسلاميّة, وتسهيل عملية السيطرة على المسلمين وبالتالي تحقيق الأهداف الاستعماريّة. وهكذا تكون القوميّة قد مهّدت الأرضيّة للعلمانيّة في فصل الدّين عن حياة الشعوب. إنّ العلمانيّة تنظر إلى الدّين على أنّه عبارة عن علاقة قلبيّة بين الإنسان والخالق, ولذلك فهي تفصله عن الشؤون الاجتماعيّة, ولكنّنا لا نعرّف الدّين بأنّه علاقة قلبيّة بين الإنسان والخالق فقط, وإنّما نضيف إلى ذلك بأنّه النظام الذي ينظِّم الشؤون الاجتماعيّة للحياة كلّها, فالعلمانيّة قد فصلت جزءًا من الدّين عن نفسه. ولا بدّ أنْ نلتفت إلى أهمية بيان المفاهيم الغيبيّة للناس, فحينما نرى فتور في علاقة الناس بالأمور الغيبيّة – كالتوحيد، والمعاد، والقبر، والحساب، والدعاء، والتوكّل- نراهم يتفاعلون مع القضايا الاجتماعيّة فقط, كجمع التبرعات للمحتاجين، والحثّ على الأعمال الخيريّة!! ففي مثل هذا الحال يتحوّل الدّين إلى مؤسسة علمانيّة اجتماعيّة.

والحمد لله ربّ العالمين.

بقلم: الشيخ صادق العافية

2015-03-02
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
البريد الالكترونى
 
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة شبكة المسجد الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

almasjednet