الزواج الحلال

273 مشاهدةآخر تحديث : الإثنين 2 مارس 2015 - 12:11 صباحًا
الزواج الحلال

بسم الله الرحمن الرحیم

قد يقول البعض: ومتى كان الزواج حرامًا؟!، ومتى كان ما أحلّ الله ذنبًا؟!، فأقول: إنّ حلال الله ما كان حرامًا يومًا ولن يكون، لكن بعض بني البشر أرادوه كذلك، فانصاعوا يحرمون ما أحلّ الله ويحللون ما حرمه الله، لا لشيء إلا لكون ما أحلّ الله لا ينسجم والهوى، أو أنّه لا يتلاءم مع طبيعة هذا العصر الذي كثر فيه الترويج للزنى والفاحشة باسم الفن والأدب، وشاعت فيه الرذيلة باسم الحرية وإبداء الرأي، حتى صار فيه الزنى غير منكور، وزواج المثل زواج مأثور، وصار النكاح سفاح، والسفاح نكاح، وبيوت الإثارة والدعارة صارت تحمل اليوم رايات الحضارة، وصار حلال الله سبحانه خلاف الشهامة والمروءة، وصار الجاهل يحلّل ويحرم، والعالم محبوس في قفص الاتهام لا يتكلم، انقلبت في عصرنا مقاييس الاجتهاد، فلا داعي لصرف سنوات طوال لتحصيل هذه المَلَكَة لأنّها صعبة المنال.

إنّ كتابتي في جريدة بعنوان (كاتب) أصبحت كافيةً لمنحي فرصة الإفتاء كما يفتي الغير، وحملي عنوان (أكاديمي) أصبح مخوِّلاً لاستنباط الأحكام الشرعيّة من خلال النظر في أهواء النفس ومصالحها، وتمثيلي في هذا المسلسل أو ذاك بعنوان (فنان) أعطاني الحقّ في إبداء وجهة نظري في قبال وجهة نظر ديني ومعتقدي ومبدئي، أليس رسول الله (ص) بشرًا بصريح القرآن إذ قال: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ)؟!، فلماذا أُعطِّل فكري، وأجمِّد عقلي أمام فكر محمد (ص)، وعقله؟!

إلى هذا الحدّ وصلنا، وسنصل إلى الأسوأ ما لم نراجع أنفسنا وعقولنا، لكي نوقفها عند حدّ الإنصاف والعدل، لا نزال نسمع عن كاتب، أو مخرج، أو أديب، أو غيرهم ممّن تخصص في أحد ضروب الفن وأصنافه يتكلمون عن قضية دينيّة شرعيّة فقهيّة من وجهة نظر (فنيّة)، فيتناولونها بأيدي النقد والتصحيح وكأنّهم يتكلّمون عن قضية جاءت وليدة العقل الإنسانيّ القاصر المستقل عن الغيب ومدده، ولا نزال نصغي لأصوات نشاز تصم آذان الوعي والإيمان تفند مسألة المتعة والزواج المنقطع وتتكلم عنها وكأنّها نظرية أفرزها عقل فيلسوف غربيّ أو شرقي، ولا زلنا نسمع ونقرأ إلى كاتب من هنا وهناك يهذي بما لا يعرف، فيقول: (من وجهة نظري)، (هكذا أعتقد)، (حسب ما أرى)، وغيرها من الكلمات التي يخالها القارئ صادرةً عن أعلم، وأفقه فقهاء الأمة! ألم نستوعب حتى الآن أنّ هذا الزمان هو زمان التخصّص وتوجيه الطاقات؟! ألم نعرف إلى الآن أنّ التدخّل في شؤون الغير، وتخصصاتهم أمر معيب ومخجل؟! أم أنّنا استوعبنا ذلك وعرفناه ولكن في شيء دون آخر، فآمنا ببعض الكتاب، وكفرنا ببعض؟!

عرفناه واستوعبناه حين قلنا: (لا دخل للدّين في الفن، لماذا إقحام الدّين في الفن؟! لماذا إقحام الدّين في السياسة؟! لماذا دس أنف الدّين في الاقتصاد؟! لماذا، ولماذا؟!)، لكنّنا لا نعرفه ولا نستوعبه حين يقول القائل: (لا دخل للفن بالدّين، لماذا إقحام الفن في الدّين؟!)؛ لأنّ ذلك لا ينسجم مع مصالحنا ولا مع أهوائنا، ولا مع نزعات الحقد والضغينة الموجهة بقسوة إلى الأخ المؤمن! على أنّنا لا نقبل القولين؛ لأنّنا ندعي دائمًا أنّ دين الإسلام شامل لجميع مفاصل الحياة، وملامس لجميع هموم الفرد والمجتمع.

نحن ندّعي أنّ الإسلام أطروحة متكاملة قادرة على حلّ جميع الأزمات والمشاكل اجتماعيّةً كانت تلك الأزمات أم اقتصاديّة، سياسيّةً كانت تلك المشاكل أم فكريّة، بل حتى لو كانت فنيّة!

هناك خلط واضح مكشوف – بغض النظر عن أسبابه – عند بعض (الكتّاب) حين يتكلم عمّا هو كائن ليجعله نتيجةً للالتزام بحلال الله وأحكامه، بينما يعرف أدنى مفكر وعاقل أنّ الذي يجب أنْ يُجعل نتيجةً للالتزام بهذه الأحكام هو ما يجب أنْ يكون لا ما هو كائن، فلماذا نسرِّي أخطاء النّاس لأصل المسألة الفقهيّة القائلة بجواز الزواج المنقطع ولا نقصر سبب وجودها على نفس هؤلاء النّاس الذين أساؤوا استخدام هذه المسألة التي تحمل كثيرًا من الإيجابيّات؟!، ولماذا نُحَمِّل حكم الله خطأ التطبيق ليصير نفس الحكم هو المشكل؟!

لماذا غض الطرف عن إيجابيّات الزواج المنقطع وإبرازه على أنّه الزنى بعينه؟!، ولماذا الجرأة على حلال الله وكأنّ المجترئ مطَّلع على ملاكات التشريع اطلاعًا أكمل، وأشمل، وأتم من اطلاع الله سبحانه عليها؟!، ولماذا تصوير المحلّل لحلال الله على أنّه إنسان هارب من تأنيب ضميره الذي يمنعه عن ارتكاب الرذيلة حتى صاغت له حيل الشيطان مثالاً للزواج المشروع ولكنّه في الحقيقة زنى وفاحشة؟!

لماذا جعْل الزواج المنقطع المعلوم الحليّة في قبال زواج الوشم، والسنّ، والدم، وغيرها من سخافات الفاسقين والمنحرفين وترهاتهم؟! وماذا أصنع وقد أحلّ الله النكاح المنقطع؟! أأرفع رأسي إلى السماء بسمات الممتعض المستاء لأقول: (لِمَ حلَّلْتَ هذا الزواج يا ربّ؟!، ألم تكن تعلم بما سوف يجرّه علينا من ويلات؟!)؟! نعم، أصنع ذلك إذا خرجت عن عقلي، فأقول: (أنا أعلم منك يا الله، فتنحَّ عن حكم هذا العالم ودعني أحكمه من دونك – والعياذ بالله-!)، أو ليست هذه كلمات الكفر التي تصدر من مجنون مسكين! ولنا الحقّ أنْ نتساءل بعد ذلك كلّه، من هو المسؤول عن هذه الفوضى والعشوائيّة التخصصيّة وتبعاتها على المجتمع؟ إلى مَن نوجِّه النقد البنّاء حتى يأخذ المعنيُّ بالموضوع – كما نتمنى- ذلك النقد بعين الاعتبار؟

أعتقد أنّ الكثير من المختصين في مختلف المجالات مسؤولون عن خلق مثل هذه الدوّامات التخصصيّة الفكريّة لوضعها أمام جميع أصناف النّاس، المتخصص منهم وغير المتخصص، حتى يدور النّاس بدوران هذه الدوامات متسافلين إلى قعر الفتنة والتنازع الذي يؤدي إلى الفشل، وذهاب الريح! وأعتقد أنّ كفّة وزارة الإعلام ترجح على كفة بقية المعنيين، لأنّها في فوهة المدفع، والملاحظ منها فتح جميع قنواتها الإعلاميّة، وبكلّ سهولة أمام كلّ متحدث، وممثِّل، ومخرج، وشاعر، وفنّان، وأديب، ورئيس جريدة، ومسؤول مشروع ساقط مروّج للفحشاء والمنكر إذا كان كلامه، أو عمله يصبّ في خندق المصلحة الدنيئة، وهذا الأمر – بلا شكّ- بكلّ المقاييس والمعايير مرفوض قطعًا من جميع أصناف العقلاء، والمفكرين المنصفين.

وأعتقد أيضًا أنّ (الكاتب) يعدّ المسؤول الأول لتحمل تبعات هذا الموضوع باعتباره الأداة المباشرة لبث المغالطات، والخلط، والتشويش في أذهان النّاس. وليعلمْ هؤلاء أنّ دين الله لا يؤخذ من صحفيّ، أو كاتب مقالة هنا أو هناك، وحينما أريد معرفة حليّة الزواج المنقطع أو حرمته، فإنّ لي فقيهًا قد أتعبَ نفسه خلال سنوات طوال حتى نال مرتبة الاجتهاد الشريفة، فأرجعُ إليه مطمئنًا أنّ ذمتي قد برئت أمام الله عزّ وجلّ، فلتكفوا أقلامكم المأجورة عن بثّ مثل هذه الفتن؛ لأنّكم تكتبون على سطح ماء عكر، فلا أثر كتابة يبقى، ولا فكرة لكم ترقى، فهل أنتم منتهون؟!

بقلم: الشيخ علي أحمد الجفيريّ

2015-03-02
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
البريد الالكترونى
 
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة شبكة المسجد الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

almasjednet